أبو نصر الفارابي

109

كتاب السياسة المدنية

وهو ملكهم - ويكونوا أعداء لكل من سواهم . وتكون سننهم كلها سننا ورسوما إذا استنّوا بها كانوا أحرياء « 1 » أن يغلبوا غيرهم . ويكون تنافسهم وتفاخرهم إما في كثرة الغلبة أو في عظمها وإما في الاستكثار من أحد عدد الغلبة وآلاتها « 2 » . وعدد الغلبة وآلاتها تكون إما في رأي الإنسان وإما في بدنه وإما في ما هو خارج عن بدنه . أما ما في بدنه فمثل أن يكون له جلد ، وخارج عن بدنه أن يكون له سلاح ، وفي رأيه أن يكون جيد الرأي في ما يغلب به غيره . وهؤلاء يعرض لهم الجفاء والقسوة وشدة الغضب والبذخ وشدة النهم من التملي من المأكول والمشروب ، والاستكثار من النكاح والتغالب على جميع الخيرات « 3 » . وأن يكون ذلك بالقهر وتذليل من يوجد منه ذلك . ويرون أن يغلبوا على كل شيء وكل واحد . وهذه ربما كانت المدينة بأسرها هكذا حتى يروا أنهم هم الذين يقصدون غلبة من ليس من المدينة لحاجتهم إلى الاجتماع لا لشيء آخر غير ذلك . وربما كان المغلوبون مجاورين للقاهرين لهم في مدينة واحدة . ثم القاهرون إما أن يكونوا على السواء في محبة القهر والغلبة

--> ( 1 ) أحرياء : جديرين ، مفردها حري . ( 2 ) عدد الغلبة : وسائل الغلبة . وهي في رأي الفارابي ثلاث : قوة الجسم ، والسلاح ، وسداد الرأي . ( 3 ) لاحظ وصف الفارابي البارع لأخلاق أهل مدينة التغلب : القسوة ، الغضب ، النهم ، النكاح . . . إلخ .